محمد عبد الله دراز
320
دستور الأخلاق في القرآن
ولقد أثبتت التّجربة في الواقع أنّ أكثر الإرادات اعتدالا تحس في غمار عملها ، وأمام التّحدي ، بأنّها قادرة على أن تقاوم مقاومة عنيفة تأثير الغرائز الأولية ، ونوازع التّسلط ، وتهديدات الظّروف الخطرة ، راضية أن تضحي بأغلى ما تملك ، وليس يصدق هذا بالنسبة إلى الشّهداء فحسب ، وهم الذين يضحون مختارين بحياتهم من أجل مثلهم الأعلى ، ولكنه يصدق أيضا على أكثر الجنود تواضعا ، وهم الذين يرسلون إلى الحرب ، فيخوضونها دون أن يعرفوا لما ذا ؟ . . بل لمجرد أن يطيعوا رؤساءهم . وربما تقول لي : إنني أبذل كلّ ما في وسعي ولا أصل . وليس هذا صحيحا بإطلاق ، فإذا كان قلبك ، تلك الطّبيعة الصّغيرة - لا يقدر على شيء يقاوم به الزّحف الكاسح للطبيعة الكبيرة ، وإذا كان لا بد لجاذبية بعض الشّر ، وكراهية بعض الخير ، أن تحدث أثرها على هذا الجزء المنفعل من كونك ، فلم لا ترثي لهذه الحال ، ولما ذا لا تحتقر هذه الطّبيعة في ذاتك ، بناء على نصيحة العقل ؟ . . ولما ذا تضرب عن هذا كلّه ، وتضع نفسك من هذا الجزء بمثابة القاضي الأعلى ،
--> - التّهجد - باب 12 ح 1069 ، فتح الباري : 3 / 3 ، مقدمة فتح الباري : 1 / 466 ) اه . « المؤلف » . ونصّ الحديث كما ورد في البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب كلّ عقدة عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ فذكر اللّه انحلت عقدة ، فان توضأ انحلت عقدة ، فأصبح نشيطا طيب النّفس ، وإلّا أصبح خبيث النّفس كسلان » ، « المعرب » . انظر ، تفسير القرطبي : 2 / 23 و : 19 / 56 ، التّمهيد لابن عبد البر : 19 / 45 ، صحيح مسلم : 1 / 538 ح 776 ، تنوير الحوالك : 1 / 146 ح 424 ، ميزان الاعتدال : 2 / 89 ، صحيح البخاري : 1 / 383 ح 1091 و : 3 / 1193 ح 3096 ، مستدرك الوسائل : 6 / 340 ، صحيح ابن حبان : 6 / 293 ح 2553 ، مجمع الزّوائد : 2 / 262 ، موطأ مالك : 1 / 176 ح 424 ، مسند أحمد : 2 / 243 ح 7306 .